الصدق في نقل الخبر والمو ضوعيه
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الوحش الذي ربيناه ثم التهمَنا

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جعفر الخابوري
Admin
avatar

المساهمات : 119
تاريخ التسجيل : 22/09/2011

مُساهمةموضوع: الوحش الذي ربيناه ثم التهمَنا   الثلاثاء مايو 01, 2012 8:28 pm

الوحش الذي ربيناه ثم التهمَنا

في حوار لي مع إحدى خبيرات المفوضية السامية لحقوق الإنسان، أبدت تعجبها الشديد من القسوة الشديدة التي أظهرتها الأنظمة العربية وأجهزتها الأمنية والعسكرية في التعامل مع شعوبها ومع المحتجين والمعارضين. وقارنت ما جرى في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية بما جرى ويجرى في البلدان العربية. ففي أوروبا الشرقية؛ حيث كانت تحكمها أنظمة أيديولوجية شيوعية شمولية، جرى التهويل بقسوة أجهزة مخابراتها... السوفياتي (ك. ج. ب) والألماني الشرقي (ستاسي) وغيرهما.

الاتحاد السوفياتي انهار وقامت على أنقاضه روسيا الاتحادية وجمهوريات أخرى. وفي الصراع الذي قاده يلتسين لإسقاط الاتحاد السوفياتي بقيادة غورباتشوف، سقط عشراتٌ فقط.

في ألمانيا الديمقراطية، سقط جدار برلين المخيف، وسقط النظام الشيوعي ليقوم محله حكم انتقالي موالٍ لألمانيا الغربية، لينتهي الأمر بوحدة الشطرين، وليركن النظام الشيوعي في متحف التاريخ. لم نسمع عن مجازر ارتكبتها (الستاسي) ومن قتلوا هم العشرات فقط. وحتى في أميركا اللاتينية حيث الأنظمة الدكتاتورية المتسلطة تحكم معظم دول أميركا اللاتينية (بينوشيه في تشيلي، جالتاري في الأرجنتين وغيرهما).

انتقلت بلدان أميركا اللاتينية من الأنظمة الدكتاتورية إلى الأنظمة الديمقراطية خلال عقدين من الزمن. صحيح ارتكبت الدكتاتوريات مجازر عند استيلائها على السلطة كما في تشيلي والأرجنتين والبرازيل، لكنها في النهاية استسلمت لإرادة الشعوب وسلمت الحكم من دون مقاومة ومن دون مجازر. لماذا إذاً نحن مختلفون في هذا الوطن العربي المجيد؟

كثيرون كتبوا وحللوا وبحثوا في بطون كتب تاريخ الاستبداد المديد، وفي كتب علم الاجتماع الجماعي، وفي ثقافة العنف والتآمر للحكم العربي. نتذكر هنا قول أحد الخلفاء لابنه «الحكم عضوض، فالذي روحي بيده، لو نازعتني فيه، لأخذت الذي فيه عيناك».

تربية الوحش

على امتداد عقود من الاستقلال، وخصوصاً بعد الانقلاب على الدول المدنية التي قامت بعد الاستقلال مباشرةً، تمركزت نخب حاكمة في البلدان العربية، إما ملكية وراثية، أو جمهورية انقلابية، أو ثوار سابقون تحوّلوا إلى مستبدين.

في معظم هذه الدول، بنيت أجهزة الأمن والاستخبارات على أساس عقيدة الولاء المطلق للحكم وديمومته، وليس الولاء للوطن، وأن كل من لا يخضع للحكم أو يعارضه، فهو خائنٌ يستحق أقسى العقاب.

رُبّيت هذه الأجهزة على الشك في المواطن، وأنه الخصم، ولذلك يجب رصده واستباحة خصوصيته، والفتك به عند أول بادرة.

كثيرون يستغربون سر الوحشية التي تتعامل بها أجهزة الأمن العربية مع المواطن العادي، فما بالك بالمعارض. كثيرون يعتقدون أن التعذيب وفنونه غريبة عن المجتمع العربي الفطري، لكن لهادي العلوي كتاب موثّق بعنوان: «التعذيب في الإسلام» يعرض فيه لفنون التعذيب في الدولة الإسلامية، لكن ذلك لا يكفي لتبرير ما يجرى. فمعظم الأمم مرّت بمرحلة الوحشية ثم انتقلت إلى المدنية وقيمها، وفي مقدمتها مناهضة التعذيب ومقت جميع أنواع المعاملة القاسية واللاإنسانية والحاطة بالكرامة.

وأنا أستمع في المحكمة إلى شهادات الضحايا (المتهمين ويا للسخرية)، وهم يسردون ما تعرّضوا له من صنوف التعذيب الوحشي الذي يقشعر له البدن، ومعاناتهم المؤلمة، ومعاناة أقاربهم وأهاليهم، أتساءل: أي وحوش ربّيناها ففتكت بنا؟.

أحدهم تلعثم ودمعت عيناه وهو يذكر بسرعةٍ تعرضه للاغتصاب؛ وآخر تذكّر بألم ممض تهديده باغتصاب زوجته؛ وثالثٌ ذكر كيف انتقموا من أبنائه وإخوانه وأخواته ليشعر وكأنه السبب وراء ذلك. رابعٌ ذكر أنهم ضغطوا على زوجته لتطلّقه، وعندما رفضت طردوها من العمل.

كثيرةٌ هي فصول التعذيب الرهيبة التي تعرض لها كثيرون، وليس المعتقلون فقط. فصول الرعب والتهديد وانتظار المجهول وطارق الباب في الفجر، والاعتقال تحت جنح الظلام.

ليست البحرين سوى مثال لما جرى في تونس ومصر واليمن والمغرب وسورية وغيرها. لا عجب، فأكثر ما نجح فيه العرب من تعاون وتبادل خبرات، هو في المجال الأمني، أي استباحة أمن المواطن، بما في ذلك فنون الاستجواب والتعذيب والتجسس.

أجهزة الأمن العربية تعج بالخبرات، وفي هذا نحن قوميون بامتياز! الوجه الآخر لهذه العقلية هو تعامل قوات الأمن (الشرطة) مع المواطن العربي. يكفي أن ننظر في كيفية تعامل الشرطي مع المواطن العادي حتى من لديه معاملة عادية. إنه يزجره أولاً ويأمره بعنف ولا يتردد في أن يعتدي عليه، فما بالك في تعامل القوات الخاصة في الدول العربية مع المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات.

لقد رأينا كيف تطلق النار ليس في الهواء وليس على الأرجل، بل على الرؤوس لتصيب المستهدف في مقتل. لقد رأينا كيف تطلق الغازات السامة بكثافة بهدف خنق المتظاهرين وليس تفريقهم، وإطلاق الرصاص المتفجر أو المطاطي من مسافات قريبة بهدف القتل وليس الردع. كلنا سمعنا عن قنَّاص القاهرة وغيره في عواصم عربية أخرى. والقسوة البالغة التي تنهال بها هراوات الشرطة العربية على المتظاهرين تدل على حقد دفين ومتأصل.

أما الظاهرة الأخرى؛ فهي أننا ونحن نتفاخر كمسلمين وعرب، باحترام المرأة والحنو على الطفل، فإن ذلك نقيض تماماً لما تتعرض له النساء والأطفال، بما في ذلك الاغتصاب والتعذيب حتى الموت والاعتداء الوحشي والسجن.

والملاحظ في ثورات وانتفاضات الربيع العربي، المشاركة الواسعة للمرأة والشباب والأطفال، مقابل نسبة مرتفعة من الشهداء والجرحى والمعتقلين من النساء والشباب والأطفال.

أما الحل فهو تبعاً لفتاوى شيوخ السلاطين «بتحريم مشاركة المرأة والأطفال في الاحتجاجات»، وذهب آخرون إلى «تحريم الاحتجاجات كلية».

الوحش الذي أطلقناه

في حوار مع إحدى المسئولات في منظمة حقوقية أوروبية تولت التدريب لحقوق الإنسان لـ «الموظفين المناط بهم إنفاذ القانون»، تساءلت: هل كنا ندرّبهم خطأ؟ وكيف انقلب تدريبنا على حقوق الإنسان ومحاولة غرس القيم الإنسانية، إلى عداءٍ للإنسان واستهانةٍ بكرامته؟ رددت عليها: «إن عقيدة أجهزة الأمن العربية المتأصلة هي احتقار المواطن». ولا يضيرهم أن يجلسوا ويستمعوا إلى تنظيراتكم، فتدخل من هذه الأذن وتخرج من تلك.

وبالفعل، فأجهزة الأمن والمخابرات العربية في أكثر من بلد عبئت وأدلجت وربيت على الشك في المواطن واحتقاره، واعتباره خطراً يجب القضاء عليه من دون رحمة أو شفقة، متى ما صنف معارضاً. ويجرى تدريب قوات النخبة على اقتحام البيوت والإنزال الجوي على الأسطح، ومهاجمة المطلوبين بقسوةٍ وإلحاق أكبر أذى بهم، وتحطيم محتويات المنزل أو المكتب أو السيارة. أما الظاهرة المستجدة فهي الممتلكات، من أموال، مصاغ، لابتوب، وما خفّ حمله وغلا ثمنه ضمن مفهوم القسيمة.

هذا موجود في التراث العربي، حيث تقوم الجماعة الغازية المنتصرة بسبي النساء، واتخاذهن إماءً، ونهب الإبل والبقر والأغنام والحلي، وهي ثروة ذلك الزمن. لقد تغيّرت الأزمان فتغيّرت الغنائم، لكن العقلية هي ذاتها.

ولقد اختبرت أجهزة الأمن والمخابرات العربية قبل الربيع العربي وأثبتت جدارتها والثقة المناطة بها من قبل قياداتها والنظم الحاكمة. الحصيلة الدامية طوال نصف قرن تظهر ذلك، لكن المختلف هذه المرة هو أن الشعب هبّ بكامله وكسر حاجز الخوف ولذلك لم يعد يرتدع أو يبالي.

منظومة الأمن، عبارة عن عصبة متضامنة بالحق والباطل، لا يمكن أن تكشف جرائم أيًّا من أفرادها أو تحاسبه أو تلومه، فما بالك بمعاقبته. لذلك لا فائدة ترتجى من لجان تحقيق أو غيرها.

ليس المطلوب ولا من الممكن تدجين أو تحويل الوحش إلى حيوان أليف، المطلوب هو بناء أجهزة أمن ومخابرات من الشعب لحماية الشعب في البلدان العربية.

في إحدى المرات؛ كنت في باريس أبحث عن السفارة اليونانية، وصادفت رجل شرطة ومن دون مقدمات سألته عن موقعها، فما كان منه إلا أن أدى التحية لي بالقول: «صباح الخير أيها المواطن»، وقادني بنفسه إلى السفارة. تداعت إلى خاطري الصفعة التي تلقاها البوعزيزي على يد شرطية في مدينة سيدي بوزيد التونسية، لتشعل الهشيم العربي من المحيط إلى الخليج.

تداعت إلى خاطري آلاف الصفعات المادية والمعنوية التي يتلقاها المواطن والمواطنة العربية، شيخاً أو طفلاً أو امرأةً أو رجلاً، رجل أعمال أو شحّاذ، فما دمت خارج دائرة السلطة فأنت رعية قابل للاستباحة.

هذا الوحش هو من صلب النظام الاستبدادي، ونحن بحاجة إلى استعراض أصلاب النظام الاستبدادي الأخرى.



عبدالنبي العكري

صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3513 - الجمعة 20 أبريل 2012م الموافق 28 جمادى الأولى 1433هـ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://idhfi.ba7r.org
 
الوحش الذي ربيناه ثم التهمَنا
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدونة قلم رصاص :: الفئة الأولى :: القسم العام-
انتقل الى: